ابن قيم الجوزية
166
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فأيّ المملوكين أحب إلى هذا الملك ، وأحظى عنده ، وأخص به ، وأقرب إليه ؟ أهذا الذي آثر حظه ومراده وما فيه لذته على مراد الملك وأمره ورضاه ؟ أم ذلك الذي ذهب في تنفيذ أوامره ، وفرغ لها قواه وجوارحه ، وتفرق فيها في كل وجه ؟ فما أولاه أن يجمعه أستاذه عليه بعد قضاء أوامره وفراغه منها ، ويجعله من خاصته وأهل قربه ! وما أولى صاحبه بأن يبعده عن قربه ، ويحجبه عن مشاهدته ، ويفرقه عن جمعيته عليه ، ويبدله بالتفرقة التي هرب منها - في تفرقة أمره - تفرقة في هواه ومراده بطبعه وبنفسه . فليتأمل اللبيب هذا حق التأمل ، وليفتح عين بصيرته ، ويسير بقلبه . فينظر في مقامات العبيد وأحوالهم وهممهم ، ومن هو أولى بالعبودية . ومن هو البعيد منها . ولا ريب أن من أظهر الاستغناء عن اللّه وطاعاته ، وتوثب عليه ، وأورثته الطاعات جبروتا وحجبا عن رؤيته عيوب نفسه وعمله ، وكثّرت حسناته في عينه ، فهو أبغض الخلق إلى اللّه تعالى ، وأبعدهم عن العبودية ، وأقربهم إلى الهلاك . لا من استكثر من الباقيات الصالحات ، ومن مثل ما وصى به النبي صلى اللّه عليه وسلم من سأله مرافقته في الجنة . فقال : « أعنّي على نفسك بكثرة السجود » ومن قوله تعالى : كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ( 17 ) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 18 ) [ الذّاريات : 17 ، 18 ] قال الحسن : مدوا الصلاة إلى السحر . ثم جلسوا يستغفرون . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « تابعوا بين الحج والعمرة . فإنهما ينفيان الفقر والذنوب ، كما ينفي الكير خبث الحديد » وقال لمن سأله أن يوصيه بشيء يتشبث به : « لا يزال لسانك رطبا من ذكر اللّه » . والدين كله استكثار من الطاعات ، وأحب خلق اللّه إليه : أعظمهم استكثارا منها . وفي الحديث الصحيح الإلهي : « ما تقرّب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه . ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه . فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها . فبي يسمع . وبي يبصر . وبي يبطش . وبي يمشي . ولئن سألني لأعطينّه ولئن استعاذني لأعيذنه » . فهذا جزاؤه وكرامته للمستكثرين من طاعته . لا لأهل الفناء المستغرقين في شهود الربوبية . وقال صلى اللّه عليه وسلم لآخر : « عليك بكثرة السجود . فإنك لا تسجد للّه سجدة إلا رفعك اللّه بها درجة . وحطّ عنك بها خطيئة » . تولد وحدة الوجود من تعطيل الجهمية وفناء الصوفية وهذه الطريقة في الإرادة والطلب : نظير طريقة التّجهّم في العلم والمعرفة ، تلك تعطيل للصفات والتوحيد . وهذه تعطيل للأمر والعبودية . وانظر إلى هذا النّسب والإخاء الذي بينهما . كيف شرّك بينهما في اللفظ ، كما شرك بينهما في المعنى ؟ فتلك طريقة النفي . وهذه طريقة الفناء ، تلك نفي لصفات المعبود . وهذه فناء عن عبوديته « 1 » . وأما نفي خواص العبيد وفناؤهم : فأمر وراء نفي أولئك وفنائهم . لأن نفيهم لصفات النقائص ، وما يضادّ أوصاف الكمال . وفناءهم عن إرادة غيره ومحبته ، وخوفه ورجائه . ففناؤهم
--> ( 1 ) فالكفر ملة واحدة ، فإنه يصدر عن منبع واحد هو إبليس .